التربية الخلقية ظاهرة الكذب

افراح رامز عطية

- إعلان -

باحثة ماجستير تربية مقارنة وادارة تعلمية

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الإيمان حسن الخلق:
أيها الأخوة الكرام مع الدرس الثالث من دروس تربية الأولاد في الإسلام، في الدرس الماضي تحدَّثنا عن التربية الإيمانيَّة، وكيف أنَّ الأبَ المسلم عليه أن ينشئ أولاده تنشئة إيمانيَّة وذكرت لكم قصصاً ونصوصاً من الكتاب والسنَّة، تؤكِّد هذا التكليف للآباء، وبيَّنتُ أيضاً أن الأُبوَّة مسؤوليَّةٌ كبيرة، وهاأنذا اليوم أنتقل إلى موضوع التربيَّة الخلُقيَّة.
أيُّها الأخوة الكرام.. الإيمان كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( الإيمان حسنُ الخلُق ))
لمجرَّد أن تلغيَ الأخلاق من الدين لم يبقَ من الدين شيء، فالإيمان حسن الخلق، وهناك أحاديث كثيرة جداً وصحيحة وقد أجمع عليها علماء الأحاديث، بل إنَّ أكثرها مما اتَّفق عليه الشيخان، هذه الأحاديث تؤكِّد أنَّ حسن الخلق هو أعظم ما في الإيمان، وأعظم ما في الإسلام، وأنَّه إذا ذهب ذهب كلُّ شيء.

كل أب مسلم عليه أن يغرس في نفس ابنه مجموعة قيم أخلاقية:

الحقيقة فضلاً عن أنَّ الأَب المسلم يربّي ابنه كما قلت في الدرس الماضي على الإيمان بالله والإيمان برسوله وكتبه وباليوم الآخر، وعلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، ويربِّي ابنه على حبِّ نبيِّه وعلى تلاوة القرآن، فضلاً عن كلِّ ذلك، هناك مجموعة قِيَم خلقيَّة لا بدَّ من أن ينتبه الأبُ إلى غرسها في نفس ابنه، لذلك أروي لكم هذه القصَّة ولعلَّها مفيدةٌ جداً:
قال سهل بن عبد الله التُستُريّ: كنت ابن ثلاث سنين أقوم بالليل، فأنظُر إلى صلاة خالي محمد بن سِوار، فقال لي يوماً: ألا تذكر الله الذي خلقك، قلت: كيف أذكره ؟ قال قل بقلبك عند تقلُّبك في فراشك ثلاث مرَّاتٍ من غير أن تحرِّك به لسانك: الله معي، الله ناظرٌ إلي، الله شاهدي. فقلت ذلك ليالَي ثمَّ أعلْمته، فقال: قل في كلِّ ليلة سبعَ مرَّات. فقلت ذلك ثمَّ أعلْمته، فقال: قل ذلك في كلّ ليلة إحدى عشرة مرَّة، فقلته.. ففي الليلة الثالثة قال: وقع في قلبي حلاوة الذكر، وقع في قلبي حلاوته فلمَّا كان بعد سنة قال لي خالي: احفظ ما علَّمتك ودُم عليه إلى أن تدخل القبر فإنَّه ينفعك في الدنيا والآخرة. قال: فلم أزل على ذلك سنين فوجدّت لذلك حلاوة في سرِّي، ثمَّ قال لي خالي يوماً: يا سهل، من كان الله معه، ومن كان الله ناظراً إليه، ومن كان الله شاهده أيعصيه ؟! إيَّاك والمعصية.
وبهذا التوجيه السديد والترويض المستمر، والتربية الإيمانيَّة الحقَّة، أصبح سهل رحمه الله من كبار العارفين، ومن رجال الله الصالحين، بفضل خاله الَّذي أدَّبه وعلَّمه وربَّاه.

الحياة لا تصلح إلا بالإيمان:

كثيراً ما نشاهد أشخاصاً متدينين صالحين جدَّاً يقول لك أحدهم: الفضل لعمِّي، الفضل لخالي، الفضل لوالدي، الفضل لعمَّتي، الفضل لوالدتي، شيء لا يقدَّر بثمن أن يلهمك الله تربية طفل صغير، ابناً كان أو غير ابن.. فهذا أصبح من كبار العارفين بهذا التوجيه اللطيف: الله معي، الله ناظر إلي، الله شاهدي.

اكتفى منه أولَ الأمر أن يقولها وهو في الفراش، ثمَّ رفع العدد إلى أن أصبحت هذه الكلمة كلمة ثابتة في حياة هذا الغلام، فلمَّا نشأ عليها قال:

من كان الله معه، ومن كان الله ناظراً إليه، ومن كان الله شاهده أيعصيه ؟!

قال: لا.. قال: إيَّاك أن تعصيه.

على كلٍ هناك نقطة مهمة جداً.. أنّ الحياة لا تصلح إلا بالإيمان، أحياناً الإنسان يشعر أنَّ هناك قيوداً تقيِّده، أي إذا كان الإيمان قيداً، والاستقامة قيداً، أنت قيِّدت بهذا القيد لكنَّ الله عزَّ وجلَّ من أجلك قيَّد لك مليار إنسان، ما هو السِّر أنَّك إذا تعاملت مع مؤمن فأنت مرتاح لا تخاف ؟

لا تخاف أن يغشَّك، أو أن يكذب عليك، أو أن يخونك، أو أن يأخذ ما ليس له منك، هذه الطمأنينة دخلت عليك لأنك مقيَّد، ولأن الله عزَّ وجلَّ قيَّد مليار إنسان من أجلك، وحياتنا لا تستقيم إلا بهذه الطريقة، تتعامل مع الناس جميعاً، هؤلاء الذين تتعامل معهم إن كانوا مؤمنين فهم مقيَّدون مثلك، يخافون الله، لا يأخذون ما ليس لهم، يخافون أن يكذبوا، أو أن يغشّوا، أو أن يحيفوا على أحد، فكما أنت مقيَّد هم مقيَّدون من أجلك.

سعادة الإنسان في الحياة الدنيا مرتبطة بعلاقته بمن حوله:

لذلك يقول أحد الأُدباء الغربيِّين:

لمَ تشكِكون في الله، ولولاه لخانتني زوجتي، ولولاه لسرقني خادمي، أحد أسباب سعادتك في الحياة الدنيا أنَّ هؤلاء الذين تعيش معهم وترتاح إليهم وتطمئن إلى علاقتك بهم الإيمان قيَّدهم، و خوْفهم من الله جعلهم يستقيمون في تعاملهم معك، فأنت قيَّدت نفسك لكنَّ الله عزَّ وجلَّ قيَّد لك كلّ المسلمين، فهم مقيَّدون من أجلك.
لا وجود للأخلاق دون اعتقادات ثلاثة:

1 ـ وجود الله:
يقول بعض الفلاسفة أيضاً: إنَّه لا وجود للأخلاق دون اعتقادات ثلاثة ـ كلمة دقيقة جداً كنت أقولها كثيراً من قبل ـ لا وجود للأخلاق دون اعتقادات ثلاثة: وجود الله.

2 ـ خلود الروح بعد الموت:
وخلود الروح بعد الموت (أي النفوس).

3 ـ الحساب بعد الموت:
والحساب بعد الموت. أي إن الله موجود، وهناك حياة أبديَّة وفيها سيحاسب الإنسان عن كلِّ ما اقترفت يداه.

إذا أيقنت أن الله موجود، ويعلم، وسيحاسب، وهناك حياةٌ بعد الحياة، لا بدَّ من أن تستقيم على أمره، ولا بدَّ من أن تكون أخلاقياً.

لا وجود للأخلاق دون إيمانٍ بوجود الخالق و بأبديَّة الحياة و علم الله:

الأخلاق في بعض تعاريفها:

هي عملية خوف أولاً (انضباط) بعد حين تنقلب إلى عمليَّة متعة، عندما يألف الإنسان الأخلاق لا يستطيع أن يحيد عنها.

وهذا من عظمة الله عزَّ وجلَّ، الشيء في أوله صعب، لكن بعد حين يصبح جزءاً من كيانك، فدائماً الصعوبة تكون في أول الأوامر فقط، في التمرُّس بها، لكن بعد حين تغدو متعة لك، المؤمن بعد حين قضيَّة الجهاد انتهت بالنسبة له، أن يجاهد نفسه وهواها، أن يبذل جهوداً كبيرة ليغضَّ من بصره ولضبط لسانه فلا، أصبحت استقامة لسانه وجوارحه جزءاً من كيانه وهذا معنى قول الله عزَّ وجلَّ.

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)
(سورة البقرة)
أنت بالصبر تكفُّ شهوتك عمَّا حرَّم الله، لكنَّك بالصلاة ترقى إلى مستوى الشرع، عندئذٍ لو سمح لك أن تفعل ما كان منهياً عنه لا تفعل، الإنسان أحياناً يمتنع عن المعاصي خوفاً، ولكن بعد حين يمتنع عنها اشمئزازاً، وهذه علامة طيِّبة في الإنسان. فهذا الفيلسوف يقول:

لا وجود للأخلاق دون إيمانٍ بوجود الخالق، وإيمان بأبديَّة الحياة، وإيمان بعلم الله (أنه يعلم )، وبالجزاء الأبديّ.

custom1
قد يعجبك ايضا