خرافة داعش

بقلم/ الدكتور ظريف حسين رئيس قسم الفلسفة بأداب الزقازيق..

ــــــــــــــــــــــ
متي نجح أصحاب الدعاوي الدينية في السياسة؟
إن هذا الحلم لم يسبق أن تحقق في يوم من الأيام،و لا في أية بقعة في العالم لا قديما و لا حديثا.و حتي في إسرائيل التي تحب أن توصف بأنها “الدولة اليهودية”،أي الدولة التي تجسد كلمات الله و وحيه-حسب ادعاءات مؤسسيها الصهيونيين- لم تنجح كل النجاح في بلوغ الحد الأعلي للسياسة الدينية التي تعد أيديولوجية خاصة بها من دون غيرها من النظم الدينية في العالم.
فلم تستطع الأحزاب الأصولية هناك حتي الآن الحصول علي أغلبية نيابية تمكنهم من الإنفراد بتشكيل حكومة تنفذ أفكارهم الأصولية في أي وقت من الأوقات.و كل ما أتيح لهم هو انضمامهم إلي غيرهم لتشكيل ائتلافات لإكمال النصاب القانوني الدستوري لتشكيل الحكومة،ليس إلا.
و أما في إيران التي تجسد حكوماتها جوهر العقيدة الشيعية إلي حد التزمت،بحكم التاريخ الشيعي هناك،و طبقا لشعارات الثورة الخومينية في العام1979،و بذلك تحب أن تسمي نفسها”الجمهورية الإسلامية”فهي في الواقع دولة علمانية،أي تفصل بين الدين الذي يمثله” آيات الله”،أي الخوميني و خلفاؤه،من جهة،و الدولة التي يحكمها السياسيون المحترفون،من جهة أخري،برغم أن هؤلاء الآخِرين يعملون تحت إمرة أولئك الدينيين.
و المشكلة هنا هو أن اعتقاد الدينيين بأنهم يملكون زمام السلطة-و هو اعتقاد زائف-يرضي غرورهم اللعين.و إن كان سير الوقائع يمضي بغير ذلك.
وقل مثل هذا علي حكومة “حماس” الفلسطينية التي تجسد (في الواقع)النظام الفكري السُّني طبقا للنسخة الإخوانية.و مع ذلك فإن هذه النسخة من الأصولية لم تنجح فيما وعدت به و جاءت من أجله،أي أخفقت في تحرير فلسطين،برغم أن لهذا الفشل أسبابا أخري.و النقطة المهمة هنا هو فشلها في إقناع جموع الناس هناك بأنها جماعة وطنية.
و الواقع هو أن كل الأفكار الدينية مهما كان أصولها ستفشل في الحصول علي إجماع(أو شبه إجماع)لأنها تنطلق من قناعات شخصية لمؤسسيها و خلفائهم الذين يدينون لهم شخصيا أكثر مما يدينون للمبادئ العامة للدين و لمفهوم الوطنية.
و النتيجة هي اللجوء إلي تعويض هذا العجز الطبيعي في داخلها بإطلاق النظريات و الشعارات،و إلصاق الاتهامات بالمعارضين من كل نوع،و خاصة تهمة التكفير و الخروج علي الشرع.
و يبقي أن الدولة الوحيدة في العالم التي توصف بأنها دينية،هي دولة الفاتيكان،و لكنها في الحقيقة ليست دولة بالمفهوم المعروف،بل هي كذلك بصورة مجازية،لكونها تتمتع باستقلال إداري و قانوني و مادي عن حكومة روما.
إذن هناك في الواقع علاقة عكسية بين الدين و الدولة.و إننا إذا ما أدركنا أن الدين موضوع اختلاف(لتعدد الأديان،و تباين الأفهام) فإن الدولة،أيّ دولة،لا بد من أن تمثلها حكومة واحدة،تتشكل بناء علي مبادئ واحدة متجانسة تنال القبول و الإجماع من المحكومين لتستمر هذه الوحدة.
و لا تكفي الحماسة وحدها لعمل أي شيء،و خاصة الحماسة الدينية،و إننا لنري كيف أن داعش-كما يعلن أعضاؤه-انطلقوا في تأسيسه من حلم إيجاد مجتمع يطبق الشريعة الإسلامية.و هم يعتقدون بأن الحدود،أي قوانين العقوبات الإسلامية،هي أساس قيام الدولة الإسلامية في صورتها الداعشية.و هم في تخريجاتهم الفقهية يستندون علي تأويلات ساذجة لمبادئ الشريعة و لمقاصدها النهائية،و يصطنعون لأنفسهم فقها يخدم غايتهم و يشرع للقتل و السرقة و الإفساد في الأرض باسم الدين،…و هم بذلك يقيمون الحدود علي خصومهم في السياسة و الدين و الفقه…،بلا أدني تمييز.و أصبح دُعاتها في خصومة دموية مع العالم كله،و لن تغنِي عنهم شعاراتهم،و رِدَّتهم علي الدين كما فهمه الجمهور.
و لن تفلح كل الجماعات الدينية في تجسيد إرادة الله و لا إرادة الجماهير في أي مكان و في أي عصر؛لأنها ببساطة تجسد إرادات شخصية فضلا عن غياب روح الشرع فيها،أعني المصالح المرسلة العامة للناس كما يفهمها جموع المؤمنين.

قد يعجبك ايضا