في مدح الوطنية!

بقلم/ الدكتور ظريف حسين رئيس قسم الفلسفة بأداب الزقازيق..


لم نسمع عن بلد يزايد مواطنوه علي حبه بالكلام و الشعارات مثل المصريين الذين يتنافسون علي ادعاء هذا الحب بلا بذل أي مجهود من جانبهم لرفعته،و أتعجب من شعب يتفاخر بأن عمره يقاس بآلاف السنين و لا يخجل من وضعه علي هذا النحو الذي لا ينكره ذو عينين.
و تأسيس المجد علي الشعارات عادة عربية قديمة،و تعد قصة احدي القبائل العربية في الجاهلية أبرز مثال علي ذلك،و هي قبيلة” بنو أنف الناقة “التي كان اسمها مصدر سخرية القبائل الأخري منها،و لكنها استطاعت أن تقلب السخرية منها فخرا لها بأن استأجرت أحد الشعراء ليرفع من شأنها بين القبائل و يحول القدح إلي مدح،فمدحهم هذا الشاعر المأجور قائلا:
“قوم هم الأنف و الأذناب غيرهمو …….و من يُسوِّي بأنف الناقة الذَّنَبا”؟
و معني هذا البيت أن أنف الناقة رمز إلي أن لهم السيادة و الريادة،فهم بذلك علية القوم،أما غيرهم من الناس فهم مجرد أذناب أي ذيول.
و بذلك كان المجد عند العربي القديم محصلة كلام في كلام و ليس بالعمل الذي من شأنه أن يغير الأشياء و ذلك بعد الخضوع لمنطق التجربة و الخطأ،أي بالمنهج العلمي. و صدق ذا المعني في مجال السياسة بدرجة صدقه في العلم: فالديمقراطية هي نظام الحكم الذي يصدر عن تجربة الشعب عندما يحكم نفسه بمنطق التصحيح المستمر مادام الوقوع في الأخطاء من طبيعة البشر،عكس السياسة الدينية التي لا تحتمل التجريب لكونها مقدسة.
و لقد انتهت التجارب البشرية إلي تفوق نظام الحكم الديمقراطي علي غيره من الأنظمة لكونه نظاما علميا قائما علي تصحيح أخطائه أولا بأول،و بالتالي يحمل في نفسه الدواء للشفاء من الأمراض التي تصيبه من دون الرجوع إلي مراجع فقهية و لا إلي آيات الله السياسية!
و مع ذلك فإن الميل إلي الفوضي و الإرهاب هو العدو اللدود للديمقراطية جنبا إلي جنب الدعاوي الدينية.و بذلك تظل الديمقراطية هي النظام الوحيد الذي يتمتع بالمرونة و التعددية التي هي من طبيعة الحياة الواقعية.
و هي بذلك تستحق كل ما يُنفَق عليها للوصول إليها؛لأنها مضمونة العوائد،عظيمة الفوائد،و تضمن الولاء للوطن و ليس للقبيلة و لا للعرق،و لا لمذهب،أيِّ مذهب!

custom1
قد يعجبك ايضا