قصة قصيرة( هذيان)


للقاصة والكاتبة/ هادية حساني من مدينة سليمان
متابعة عبدالله القطاري من تونس

في لحظة ما لم اعد ادرك شيئا من حولي، تنقض علي الحمى ،تحاصرني،وتنهش جسدي الغض نهش الجياع..يتناهى الى سمعي اصوات اقدام تبتعد وتقترب ، لتختلط باصوات مختلفة، صيحات سيارات الاسعاف المفزعة ، صرير ابوب تفتح وتغلق..جسم بارد يطوق راسي،ارى السقف ينهار ويتكوم فوق جسمي المحموم،ينفر الدم مني،يرتفع ويرتفع حتى يغرقني،فيكاد يكتم انفاسي،تضطرم نفسي فزعا، انتفض مرتعدة ،افتح منفذا بيدي للدم ،يبدا بالتدفق كشلال ،يدفعني ،يسقطني من اعلى ، اجد نفسي وسط صحراء مقفرة،ممتدة كان لا نهاية لها..انظر مرتعبة في كل اتجاه،تختلط علي الطرق، تطوقني ذئاب سوداء بانياب كالمثاقب ،واعين حمراء مشتعلة كفوهات النار ،بالسنة حمراء طويلة كالافاعي..تعوي عواء مرعبا ،مدويا،عيونها مثبتة علي لا تفارقني..احاول الهروب،تلحق بي،تحاصرني، تقترب وتقترب،تتاهب للهجوم،يسيل لعابها، يبلل الرمال،وتصير حمراء..
اتكور ،اسقط،يهجم احدها، يعضني من ساقي، يضغط ويضغط،اسمع فرقعة العظم وهو يتكسر،اصيح متالمة ،يقطع ساقي، يلوكها بنهم،فتتحلق حولها البقية..
يظهر ضوء ، فتهرب لجهة الغرب.. اتفحص القادم :«جدي!كيف عدت!؟الم تستشهد!؟»
يسحب منديلا اخضر ،يلفه حول رجلي النازفة، يجذبني من يدي ،اقف ،ارى رجلي كما كانت ، يجذب المنديل المضرخ بالدم ،يضعه في يدي،يربت عليها،ويقول،:«انهضي،لا تستسلمي ابدا..» ومضى الى الشرق من حيث اتى..جملته رجتني،لقد سمعتها من قبل، لا انسى صاحبة الصوت الرقيق!اجل هي،المذيعة التي هاتفتها يوم حوصرنا لثلاثة ايام متواصلة، كان الصوت الوحيد الذي اسمعه ،منذ حلقت الطائرات تدك المنطقة دكا..اي صدفة هذه!؟
رجلي تحت الركام،الام حادة تمزقني،وتعصف بي،ظلام دامس يلف بيتنا..لا اسمع الا بكاء اخي الصغير،عجز فظيع ،قاتل..ناديت امي واختي..لا احد يجيب..بكاء اخي يتوقف،وانينه يخبو شيئا فشيئا..ناديته،رجوته ان يتحسس ما حوله ويزحف نحوي..مع غبش الفجر ،اتضحت الصورة القاتمة ،مشهد حزين ،باهت..
حاولت ان اتناسى،لكنه يلح علي اكثر،اكاد اجن ، هو يأبى أن يفارقني..ترتفع صيحاتي ،أضطرهم لحقني ككل مرة، أغفو،تعاودني نوبة الحمى اللعينة،أستفيق وأنا أهذي،أتحسس رجلي ،لا أجدها ،أنظر حولي فلا أرى غير تلك الذئاب السوداء،النهمة..أنسى رجلي ولا أتمنى الا شيئا واحدا..ولازلت أتمنى…

هادية حساني
تونس.

custom1
قد يعجبك ايضا