⁦⁩صناعة العقلية النقدية (1)

⁦⁩ الأستاذ بكلية اللغة العربية جامعة الأزهر..

⁩ بقلم د ابوالمجد أحمد أبو الوفاء الشرقاوى..

- إعلان -

لو سألنى سائل:ما القضية التى يجب أن تحتل المرتبة الأولى فى اهتمامات المسلمين؟لأجبته على الفور:إنها صناعة العقلية النقدية.
لو حللنا العقلية العربية،وعقلية المسلمين منذ زمن بعيد حتى اليوم،ونعتناهما بوصف موجز لقلنا:إنهما عقليتان غير نقديتين،عقليتان لا تنزعان إلى النظر الحر،والتفكير المستقل.
ويتجلى هذا التقييم فى السمات الثلاث التالية:
أ-هيمنة نزعة التقليد ب-التشبث بالقديم ج-تغليب الرواية على الدراية.
لسنا من أنصار التعميم فى الأحكام،وستظل هذه الأمة بخير إلى نهاية الدنيا،وإذا كان تاريخها وماضيها حافلين بالعديد من أهل النظر والاجتهاد،ورواد التجديد،وسدنة العقل،ودعاة حرية الفكر واستقلاله فليس حاضرها بعاطل منهم،ولن يخلو منهم مستقبلها بإذن الله.
ولكننا نتحدث عن الظاهرة العامة والتيار المتغلب،والاتجاه الأكثر انتشارا والأقوى تأثيرا.
مما يستلفت النظر-ونحن نتصفح أحوالنا الحضارية،ونحاول الوصول إلى الجذور الحقيقية لمشكلاتنا-أن مصطلح(النقد) فى تراثنا التأليفى،وأعرافنا التعليمية لا يكاد يتجاوز دائرة النصوص الأدبية.
وليس هناك من ريب فى أن حاجة الأمة إلى مد ظلال مصطلح(النقد)إلى علومنا الأخرى شديدة وملحة.
ما أمس حاجتنا-خاصة فى هذه الحقبة التى يتلاقى فيها استشرافنا إلى النهضة،ورغبتنا فى تحطيم أصفاد التخلف الحضارى مع معوقات الجهل والجمود،والسعى الحثيث من البعض لشد المسلمين إلى الخلف تحت اسم(السلفية)،والمحاولات المستمرة لتشويه صورة الإسلام-ما أمس حاجتنا فى خضم هذا كله إلى دراسة علومنا بوجه عام من التفسير والحديث والكلام وأصول الفقه والنحو والسيرة والبلاغة والتاريخ والتصوف وسائر علومنا الأخرى دراسة تقوم على الفهم الدقيق،والمقارنة والموازنة،والنقد العلمى المنصف،،إذا كنا جادين حقا فى السير فى طريق إصلاح أحوالنا،وتغيير ما بأنفسنا.
نستثنى الفقه مما أشرنا إليه،لأن هناك مادة تسمى(الفقه المقارن)ولها قسم خاص بها فى كليات الشريعة والقانون بجامعة الأزهر،وهى مادة تقوم على أساس نقدى،من عرض الأدلة،ومناقشة الأقوال،والترجيح بينها،ونحن ننادى بتطبيق هذا المنهج على بقية العلوم.
إن صور التأخر والوهن فى أمتينا العربية والإسلامية عديدة ومتنوعة،ولكن أكثرها فى رأينا أعراض سطحية لأدواء كامنة ومستوطنة فيها،هذه الأدواء هى العلل الحقيقية،والأمراض الأصيلة التى ينبغى أن تتوجه إلى علاجها،وتتلمس سبل الشفاء منها همم الصفوة من أطباء العقول والنفوس،وأساة القلوب والأرواح فى هاتين الأمتين.
هذا جد ضرورى قبل أن يعضل الداء،ويستحكم البلاء،فنصارع عواصف العفاء.
إن التذرع بالصبر والهمة،وعبور موانع الإرهاب المعنوى الذى سيكون سلاح الدهماء،وسلاح أهل الجمود من المنتسبين إلى العلم،أو إلى الدعوة على حد سواء إن ذلك لهو الزاد الضرورى الذى لا غنى عنه فى هذه الرحلة الشاقة المضنية التى ستطول فيها الطريق،غير أننا نرجو أن يكثر فيها الرفيق.
ولا شبهة أن ما صدرنا به المقال من توارى العقلية النقدية،وخفوتها عندنا إلى حد بعيد هو أحد أهم الأمراض الأساسية فى أمتينا،بل هو فى الحقيقة علة العلل،ومن ثم فهو أجدر من غيره بالالتفات إليه،وبضرورة السعى الحثيث لمحاصرته والبرء منه.

custom1
قد يعجبك ايضا