الحلقة الرابعة ” الصبر “

58420118 445327429554282 1859332191872352256 n 3

بقلم / د محمد عطا عمر

تحدثنا في الثلاث حلقات السابقة عن معالجة الأزمات من منظور الشريعة الإسلامية وتحدثنا فيها عن الاستغفار ثم التوجه إلى الله بالدعاء والرجاء ثم تحدثنا بعد ذلك في الحلقة الثالثة عن التأمل والتدبر في إيجاد الحلول وإتباع المنهج العلمي في معالجة الأزمات, وفي هذه الحلقة نستكمل الحديث عن معالجة الازمات من منظور الشريعة الإسلامية, وذلك للحديث عن العنصر الرابع ألا وهو ” الصبر” . يعتبر الصبر من أهم الصفات التي يجب على القائد والمقود التحلي بها عند الأزمة, وتتضح أهمية الصبر من مواقف النبي صلى الله عليه وسلم في الأزمات ومنها في أزمة الحصار الاقتصادي عليه وعلى الذين آمنوا معه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)(البقرة153), وفي موقف آخر” لما عجزت قريش عن قتل النبي صلى الله عليه وسلم أجمعوا على منابذته ومن معه من المسلمين، فكتبوا كتاباً تعاقدوا فيه على ألا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يدعوا سبباً من أسباب الرزق يصل إليهم, ولا يقبلوا منهم صلحاً, ولا تأخذهم بهم رأفة, حتى يسلم بنو المطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم ليقتلوه، وعلقوا الكتاب في جوف الكعبة, واشتد البلاء برسول الله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا معه حتى كانوا يأكلون الخبط وورق الشجر, وكان التجار يغالون عليهم في أسعار السلع, وكان الأطفال يتضارون جوعاً، ولم تترك سلعة تصل إليهم, فكان جزاء هذا الصبر والجلد وتحمل المشاق, أن فرج الله عنهم تلك الأزمة, ثم مكنهم سبحانه وتعالى من منابع الثروة والاستيلاء على عروش الملوك وفتح الروم وفارس بعد ذلك. ومن مواقف الصحابة في

81272499 452851678675415 8620633854295670784 n 1
51179601 557885871343847 6021149540281745408 n

الصبر والجلد أثناء الأزمات ما أوردته الروايات التي وردتنا لعمر بن الخطاب رضي الله عنه كان فيها القدوة للناس في الصبر على الأزمات ومنها: حيث أقسم عمر على نفسه عام الرمادة، أن لا يذوق سمناً ولا لبناً ولا لحماً حتى يحيا الناس جميعاً, أي أن يأكل المسلمون جميعا, ومن مواقفه أنه كان لأبنه عبيد الله بن عمر، بهمة، وهي نوع من أنواع الطيور، فجُعلت في التنور، فخرج عمر رضي الله عنه لما شم رائحتها، وقال: أظن أحداً من أهلي قد اجترأ علي، وكان هو مع نفر من أصحابه رضوان الله عليهم، فقال عمر: لغلامه أذهب فانظر، فدخل فوجدها في التنور، فقال له عبيد الله استرني سترك الله، فقال له: قد عرف وأرسلني إليك، فلن أكذبه، فاستخرجها ثم جاء بها فوضعها بين يديه، فقال: عبيد الله: إنها كانت حقا لابني، وكنت قد اشتريتها له من شدة شهوة أكل اللحم. وذات يوم نظر عمر رضي الله عنه إلى بطيخة في يد بعض ولده، فقال: بخ بخ، يا أمير المؤمنين تأكل الفاكهة وأمة محمد هزلى، فخرج الصبي هاربا وبكى، فسكت عمر بعد ما سأل عن ذلك، وقالوا له: اشتراها بكف من نوى. وفي رواية ثانية يضرب لنا عمر مثلا في الصبر والتضحية، فيروى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنه قال: أن أباه دخل عليه وهو على صدر فراشه، فرحب به ثم قدم له طعاماً، فلقم عمر لُقمة وقال: بسم الله، ثم ثنى فقال إني لأجد طعم دسم، ما هو بدسم لحم، قال: يا أمير المؤمنين طلبت السمين من اللحم فوجدته غالياً، وكنت لا أحب أن يتوارى أهل بيتي عظماً, فاشتريت بدرهم من يهودي، وحملت عليه درهم سمناً، فقال عمر ما اجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وتصدق بأحدهما وأكل بالآخر، فقال له عبد الله: يا أمير المؤمنين، فوالله لا يجتمعان عندي إلا وتصدقت بأحدهما وأكلت بالآخر. وقد تأثر عمر في عام الرمادة، حتى تغير لونه، فروى أحد الصحابة رضوان الله عليهم, قال رأيت عمر عام الرمادة وهو اسود اللون، وقد كان ابيض، فتقول مماذا؟ فيقول كان رجلاً أعرابياً، وكان يأكل السمن واللبن، فلما أمحل الناس وأصابتهم المجاعة حرمها حتى يحيوا، فأكل الزيت, فتغير لونه وجاع وأكثر. وكان أكل عمر عام الرمادة خبز وقد ثُرد بالزيت, حتى إذا كان يوم نُحر فيه جزوراً ” جملاً ” فطعم الناس وغرفوا من طيبها فأتى به، فإذا قطعة من سنام وكبد، فقال: أنى هذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، الجزور التي نحرنا اليوم، فقال: بخٍ بخ، بئس الوالي أن أكل طيبها، وأطعمت الناس كراديسها، ارفع هذه الجفنة، هات لنا غير هذا الطعام، قال: فأوتي بخبز وزيت، قال: فجعل يكسر بيده ويثرد الخبز. إن تقشف عمر لم يكن مجرد عبادة، وإنما كان منهاجاً للرعية من ناحية، ووسيلة للإحساس بمشكلاتها من ناحية أخرى، ومبدأه في ذلك قوله تعالى: ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾(الاحقاف 20). هذا هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، يؤثر الرعية على نفسه، فيأكل مما يأكلون ويشرب مما يشربون، وهو الذي يحمل من أعباء الحكم والحياة أضعاف ما يحملونه ويعاني من ذلك أضعاف ما يعانون، وهو في ذلك لا يضع القيود على نفسه وحدها، بل يسير بها لتقيد أفراد عائلته “أسرته”، فهم في نظر عمر يجب أن يعانوا أكثر مما يعاني الناس.(1) إخوتي في الله هذه دعوة عامة في هذه المحنة العصبية كي نتحلى بالصبر ونتأثر برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام أثناء الأزمات, فعلينا التحلي بهذه الصفة العظيمة حتى يكشف الله عنا الكربة ويزيح الغمة, آمين يا رب العالمين.