بانوراما شبكة السردية الروائية الجزائرية التأسيسية

بانوراما شبكة السردية الروائية الجزائرية التأسيسية

بقلم : أ . د . بومدين جلالي……

1 – – جذور السرد الروائي الجزائري :

- إعلان -

ككل السرديات في الثقافات المختلفة المتعددة؛ لم تأت السردية الجزائرية من العدم وإنما هي نتاج تراكم حكْيٍ سرديّ متنوع المشارب واللغات والتفاعلات عبر مسار طويل جدا في التراث الثقافي للشمال الإفريقي عموما وللحيز الجزائري منه خصوصا. فالجزائر لها انتماؤها القديم المؤسس على الفنيقيين والبربر وغيرهما بمعتقدات متعددة وألسنة متباينة، كما لها انتماؤها العربي الإسلامي بإحالاتهما اللسانية والدينية والثقافية والحضارية، كما لها انتماؤها الجنوبي الإفريقي المتلون بألوان ما بعد الصحراء، كما لها احتكاكها المتوسطي والعالمي بامتدادات انطلقت من البحر الأبيض المتوسط ثم وصلت إلى الكونية المازجة بين كل ألوان الطيف … ومن هنا فسرديتها في طابعيها الشعوري واللاشعوري لا تخلو من نكهة يلتقي فيها الشرق بالغرب في تقاطع الشمال بالجنوب، كما لا تخلو من فنيات يتجاور فيها ما أنتجه إلهام ذوي البشْرات الإنسانية المتنوعة وهم يتأملون فاعلية مختلف الذوات في إنتاج معاني الحياة، نافذين إلى مخفياتها بقلوبهم المتحسسة، مجادلين منطقها بعقولهم المدركة، ناظرين إلى حيويتها في تتابع الليل والنهار بعيونهم السوداء والزرقاء والشهلاء وغيرها مما ورد في موسوعة العيون البشرية، معبرين عنها بأسلوبية تتعانق فيها الفانتازيا بالصراع في حكي فيه من المحلية الجزائرية بكل مكوناتها ما فيه، وفيه من مختلف امتداداته في السراء والضراء ما فيه أيضا.

2 – – لغات السرد الروائي الجزائري :

كتب الروائيون الجزائريون والروائيات الجزائريات ويكتبون حاليا بلغات متعددة لكن الأقلام المعروفة محليا وإقليميا وعالميا كتبت وتكتب بالعربية مثل الطاهر وطّار وأحلام مستغانمي وواسيني لعرج وعائشة بنّور، أو تكتب بالفرنسية مثل محمد ديب وآسيا جبّار ومولود فرعون وسليمة غزالي، وأحيانا نادرة تكتب بهما معاً مثل رشيد بوجدرة الذي كتب بالفرنسية ثم العربية باقتدار لغوي وأمين الزاوي الذي كتب بالعربية ثم بالفرنسية دون اقتدار في هذه الأخيرة … وقد جاء ذلك بالنسبة للكتابة باللغة العربية من كون أغلبية الشعب الجزائري تنتمي للعرب أصلا ولسانا وثقافة وكل الشعب الجزائري – ما عدا قلة القلة – يدين بالإسلام ويتعلم كتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسوله المصطفي عليه الصلاة والسلام في لغتهما العربية الأصلية، أما بالنسبة للغة الفرنسية فالكتابة بها هي وليدة الظرف الاستعماري الحديث والإبقاء عليها بعد الاستقلال الوطني هو عامل يدخل ضمن اختيارات بعض النخب العلمانية لمرحلة ما بعد الكولونيالية وهو يثير جدلا واسعا ويجد مقاومة كبيرة في جزائر الألفية الجديدة إلى درجة اقتراح اللغة الإنجليزية لغة أجنبية أولى في البلاد والتخلي تدريجيا عن الفرنسية المرتبطة بالذاكرة الاستعمارية وذات التراجع العلمي والفني على المستوى العالمي … مع الإشارة إلى أن بعض الروائيين المشاهير من ذوي القلم الفرنسي مثل مالك حدّاد قد كسر قلمه وتخلى عن الكتابة نهائيا تعبيرا عن مغادرته للفرنسية التي كان يعتبرها منفى له.

3 – – ولادة السرد الروائي الجزائري :

إذا ما استثنينا رواية “الحمار الذهبي (التحولات) /Metamorphoseon ” للكاتب الروماني-البربري أبيلي / Apulée التي كتبها باللاتينية في الشرق الجزائري خلال الحقبة الرومانية، ورواية “دون كيخوتي دي لا مانتشا/ Don Quijote de la Mancha” للكاتب الأسباني ميغيل دي ثيربانتس / Miguel de Cervantes التي كتبها بالإسبانية فدوّن معظمها وهو أسير في الجزائر العاصمة خلال العهد التركي، ورواية “حكاية العشاق في الحب والاشتياق” للكاتب الجزائري محمد بن إبراهيم التي كتبها بالعربية في أربعينيات القرن 19 م، ورواية “خضراء راقصة أولاد نايل / Kahdra , la danseuse des Ouled Nail” للرسام الكاتب الفرنسي إتيان دينييه / Etienne Dinet التي كتبها بالفرنسية أثناء ثوائه بمدينة بوسعادة في أفول القرن 19 م بالاشتراك مع صديقه الجزائري سليمان بن إبراهيم… وذلك بوصف الأولى غير مفصول في جزائرية مؤلفها، والثانية تنتمي أصلا وفصلا للأدب الإسباني، والثالثة تعتبر بأسلوبيتها ملتقى للمقامة والقصة والرواية، والرابعة تنتمي إلى الأدب الاستشراقي المشترك بين فرنسا والجزائر … وإذا ما أضفنا إلى هذا الاستثناء كتابات الفرنسيين عن الجزائر تحت وطأة احتلالهم لها كالمنتمين إلى “مدرسة الأيكزوتيك الفرنسية في الجزائرL’école éxotique française en Algérie ” مثل غوستاف فلوبير وألفونس دوديه، ثم مجموعة ” الجزائريين الجدد Les nouveaux algériens” / الأقدام السوداء، ثم بعض الفرنسيين أعضاء “مدرسة الجزائر L’école d’Alger ” التي ترأسها الروائي ألبير كامي Albert Camus صاحب جائزة نوبل سنة 1957 فلا يبقى أمامنا بعد هذا إلا القول بولادة الرواية الجزائرية وفق ما يلي :

3 – 1 – الرواية المكتوبة بالفرنسية ( الرواية الفرنكوفونية الجزائرية ) :

من خلال منجز مؤرخي الرواية الفرنكفونية، وبالنظر إلى تاريخ الطبعات الأولى للمدونة الروائية المعنية بهذا التوصيف؛ يظهر أن الولادة الفنية للرواية الفرنكوفونية الجزائرية والتأسيس المكتمل لها حدث ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية في 1945 ونهاية الثورة التحريرية الجزائرية في 1962 مع كوكبة لامعة من الأقلام الجزائرية ذات التكوين في المدرسة الكولونيالية الفرنسية وذات الحس الوطني الذي هب على العديد من أصقاع البلاد بعد أحداث 08 ماي 1945 ووصل إلى قمته مع قيام ثورة الفاتح نوفمبر 1954 وذات الأداء السردي الروائي المنماز بتأرجحه بين الكلاسيكي والحداثي متأثرا بالسردية الفرنسية خصوصا والسرديات العالمية عموما.

ومن الأسماء الروائية الكبيرة والأعمال الفنية الشهيرة في فترة الولادة

أ – محمد ديب ( 21 جوان 1920 / 02 ماي 2003 ) في عدة روايات، منها :

• La Grande Maison الدار الكبيرة•

L’Icendie الحريق

• Le Métier à tisser حرفة النسيج

ب – كاتب ياسين ( 02 أوت 1929 / 28 أكتوبر 1989 ) في الرواية التالية :

Nedjma . نجمةج

– مولود فرعون ( 08 مارس 1913 / 15 مارس 1962 )

في الروايات التالية :

• Le Fils du pauvre نجل الفقير

• La Terre et le Sang الأرض والدم•

Les Chemins qui montent الدروب الصاعدة

• La Cité des Roses حي الورود ( كُتبتْ في 1958 ولم تطبع كاملة إلا في 2007 )

د – مالك حدّاد ( 05 جويلية 1927 / 02 جوان 1978 ) في الروايات التالية :

• La Dernière impression الانطباع الأخير

• Je t’offrirai une gazelle سأهبك غزالة

• L’élève et la leçon التلميذ والدرس

• Le Quai aux Fleurs ne répond plus رصيف الأزهار لا يجيب

هـ – آسيا جبّار ( 30 جوان 1936 / 06 فبراير 2015 ) في الروايات التالية :

• La Soif العطش• Les impatients القلقون

• Les Enfants du Nouveau Monde أبناء العالم الجديد

و – مولود معمري ( 28 ديسمبر 1917 / 26 فبراير 1989 ) في الروايتين التاليتين :

• La Colline oubliée الهضبة المنسية

• Le Sommeil du juste نوم العادل.

3 – 2 – الرواية المكتوبة بالعربية ( الرواية العربية الجزائرية )

تأسيسا على بعض أعمال الذين تناولوا الرواية العربية الجزائرية وبمراعاة تاريخ الطبع للروايات الجزائرية الأولى ذات اللسان العربي؛ يبدو أن فترة التأسيس الروائي الجزائري الناطق بالعربية كانت ممتدة في زمنها على أربعة عقود كاملة وهي ذات أداء سردي متفاوت في المستوى كما هي ذات تيمات ورؤى متباعدة جدا …

من هنا؛ ارتأيت أن أقسمها إلى إرهاصات تمهيدية وتأسيس فعلي، وذلك في الحيز الواقع بين 1947 و1982 … وهذا تفصيل ذلك :

2 – 3 – 1 – إرهاصات الرواية العربية الجزائرية :

أ – أحمد رضا حوحو ( 15 ديسمبر 1910 / 29 مارس 1956 ) في الرواية التالية :•

غادة أم القرىب – عبد المجيد الشافعي في الرواية التالية :• الطالب المنكوبج – نور الدين بوجدرة في الرواية التالية :

• الحريقد – محمد منيع في الرواية التالية :

• صوت الغرام .

واعتبار هذه الرويات إرهاصية سابقة للتأسيس وليست تأسيسية جاء من كونها غير ناضجة فنيا كما ينبغي، ويعود سبب ذلك إلى تهميش اللغة العربية في الجزائر أثناء الزمن الاستعماري إلى درجة منعها حينا وإدراجها ضمن اللغات الأجنبية حينا آخر لتبقى السيطرة للغة الاستعمارية الفرنسية وحدها دون منازع … مع الإشارة إلى عدم أن نضج هذا الروايات فنيا كان متفاوتا وكانت أقربها إلى خصائص السرد الروائي هي ” غادة أم القرى” التي كتبها الأديب الشهيد أحمد رضا حوحو سنة 1943 ونشرها في 1947 واعتبرها بعض مؤرخي الحركة الأدبية الجزائرية تأسيسا للرواية العربية الجزائرية برغم ما فيها من هنات.

2-3-2- تأسيس الرواية العربية الجزائرية :

انتهى الزمن الإرهاصي الذي سبق الرواية العربية الجزائرية خلال ستينيات القرن العشرين بتراجع سيطرة اللغة الفرنسية على المدرسة والكتاب والإعلام تدريجيا إثر استرجاع الجزائر لسيادتها الوطنية وانفتاحها على فضاء انتمائها العربي الإسلامي وعودة لغتها العربية إلى قطاع التربية والتعليم … وحدث التأسيس بقفزة أسلوبية سردية عربية تجاوزت المستوى الإرهاصي السابق وتم تناول تيماتها الإبداعية وفق المدرسة الواقعية الاشتراكية بأقلام روائية منمازة …

وذلك وفق ما يلي :

أ – عبد الحميد بن هدوﭬـﻪ ( 09 يناير 1925 / أكتوبر 1996 )

في الرويات التالية :

• ريح الجنوب

• نهاية الأمس

• بان الصبح

ب – الطاهر وطار ( 15 أوت 1936 / 12 أوت 2010 ) في الروايات التالية:

• اللاز

• الزلزال

• الحوات والقصر

• عرس بغل

• العشق والموت في الزمن الحراشي

– زهور ونيسي ( 1937 / …. ) في الرواية التالية :

• من يوميات مدرسة حرةد

– عبد الملك مرتاض ( 10 أكتوبر 1935 / …. ) في الرواية التالية :

• نار ونورهـ

– رشيد بوجدرة( 05 سبتمبر 1941/ …. )

في الرواية التالية :

• التفكك

مع التنبيه إلى أن رواية التفكك لرشيد بوجدرة، المكتوبة أصلا بالعربية والمنشورة في 1982 ، قد جاءت بعد مسار طويل لصاحبها الذي كان يكتب بالفرنسية باقتدار لغوي فني له وزنه ثم تنقل إلى الكتابة بالعربية بالاقتدار نفسه وقد جاء اعتبارها تأسيسية من هذا المنظور بالذات

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.